السيد كمال الحيدري

53

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

فيكون محتاجاً إلى المحدث ، قياساً على أفعالنا المحتاجة إلينا ، فمع منع حكم الأصل في القياس ، وهو كون العبد موجداً ، لا يمكنه استعمال هذه الطريقة ، فينسدّ عليه باب إثبات الصانع » « 1 » . كما يُبطل القولُ الجبري الحكمةَ والعدلَ وينسب إلى الله سبحانه العبث والظلم والسفه والجهل في أفعاله تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ومخالفة الضرورة وغير ذلك ممّا توفّرت على تفصيله الكتب الكلامية المختصّة « 2 » . في ظلّ هذه النظرة ينفرط بناء المنظومة الدينية ، وتتحوّل إلى أنقاض وأشلاء ، وهذا أمر واضح البطلان عند العقل . لكن المشكلة هي كيف يجوز أن نتحدّث مع هؤلاء بلغة العقل ومعاييره وقد أنكروا الحسن والقبح العقليّين ! 3 مستوى القواعد التوحيدية ربما كان أهمّ ما استند إليه المجبرة في تسويغ دعواهم في سلب الإنسان مسؤوليّته عن فعله ونسب خلق الأفعال إلى الله سبحانه ، هو تمسّكهم بالمحافظة على حرمة علم الله وإرادته الأزليّتين ، فإذا لم يتعلّق العلم والإرادة الأزليّان بأفعال العباد لزم منه انقلاب علمه جهلًا وقهر إرادته جلّ وعلا . إنّ الإشكالين يلتقيان في جواب واحد ، وإن كانت بعض تفصيلاته تتّسم

--> ( 1 ) نهج الحقّ وكشف الصدق ، مصدر سابق ، ص 114 ، وتوضيحه : إنّ مختار الأشاعرة أنّ الدليل على وجود الصانع هو الحدوث ، فيتوقّف إثبات الصانع على قولنا : العالم حادث ، وكلّ حادث محتاج إلى محدث ، ولا دليل على الكبرى ( كلّ حادث محتاج إلى محدث ) إلّا احتياج أفعالنا إلينا ، وقياس سائر الحوادث عليها في الحاجة إلى محدث ، فإذا منع الأشاعرة الأصل وهو احتياج أفعالنا إلينا ، لعدم كوننا موجدين لها ، ولم يكن في سواها من الحوادث دلالة على الحاجة إلى المحدث انسدّ عليهم باب إثبات الصانع . انظر : دلائل الصدق ، ج 1 ، ص 297 . ( 2 ) انظر على سبيل المثال : نهج الحقّ وكشف الصدق ، ص 113 فما بعد .